السيد عبد الأعلى السبزواري
158
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
فضله بما أفاض اللّه تعالى عليه علم الأسماء ، وجعله خليفته في الأرض . وأما ذكر « هؤلاء » بعنوان الإشارة إلى الحاضرين فيمكن أن يكون لبيان رفعة مقام المسميات بخصوص هذه الأسماء دون غيرها فكأنهم حاضرون في جميع العوالم ، وقد عبّر عن خصوص هذه المسميات جمع من الفلاسفة بأرباب الأنواع ، وجمع آخر بالمثل الأفلاطونية . قوله تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا . كلمة « سبحانك » تقال في مقام التوبة كما في قوله تعالى : سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 87 ] ، وقوله تعالى : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [ سورة الأعراف ، الآية : 143 ] . وأما قوله تعالى : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتراف منهم بالعجز والقصور ، وان علمهم لا يحيط بجميع المسميات وفيه ثناء على اللّه تعالى ، لأنهم أثبتوا العلم له عزّ وجل ونفوه عن غيره وأنه المفيض عليهم بالعلم على قدر القابليات والاستعدادات . قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . تأكيد منهم على حصر العلم بالنسبة إلى ذاته ، وللحكمة بالنسبة إلى فضله ومادة ( ح ك م ) في أية هيئة استعملت تفيد الإتقان والإحكام والإتمام . وأصل الحكمة منه تعالى معرفة الأشياء ، وإيجادها بالإحكام والإتقان الواقعي ، وهي منبعثة عن العلم بالحقائق . وإذا أطلقت بالنسبة إلى الإنسان ففي اصطلاح الفلاسفة : هي العلم بحقائق الأشياء على حسب الطاقة البشرية . وفي اصطلاح المفسرين : معرفة الأشياء وفعل الخير وقالوا منه قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [ سورة لقمان ، الآية : 12 ] ، ويأتي في قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ سورة البقرة ، الآية : 269 ] بعض الكلام . وإذا أضيفت إلى القرآن كقوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [ سورة القمر ، الآية : 5 ] فإنما يراد بها الاشتمال على الآيات والقوانين المحكمة . ويطلق الحكم على الحكمة أيضا ، كما نسب إلى النبي الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « الصمت حكم وقليل فاعله » .